فخر الدين الرازي
17
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا يا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الاَْرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ) * . أما قوله : * ( فخرج على قومه في زينته ) * فيدل على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها وليس في القرآن إلا هذا القدر ، إلا أن الناس ذكروا وجوهاً مختلفة في كيفية تلك الزينة ، قال مقاتل خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف فارس على الخيول وعليها الثياب الأرجوانية ومعه ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر على البغال الشهب ، وقال بعضهم : بل خرج في تسعين ألفاً هكذا ، وقال آخرون بل على ثلاثمائة . والأولى ترك هذه التقريرات لأنها متعارضة ، ثم إن الناس لما رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا * ( يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ) * من هذه الأمور والأموال ، والراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون الدنيا ، وأما العلماء وأهل الدين فقالوا للذين تمنوا هذا ويلكم ثواب الله خير من هذه النعم ، لأن للثواب منافع عظيمة وخالصة عن شوائب المضار ودائمة ، وهذه النعم العاجلة على الضد من هذه الصفات الثلاث ، قال صاحب " الكشاف " : ويلك أصله الدعاء بالهلاك ، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى . أما قوله : * ( ولا يلقاها إلا الصابرون ) * فقال المفسرون : لا يوفق لها والضمير في يلقاها إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان أحدهما : إلى ما دل عليه قوله : * ( آمن وعمل صالحاً ) * يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصابرون والثاني : قال الزجاج : يعني ، ولا يلقى هذه الكلمة وهي قولهم ثواب الله خير إلا الصابرون على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات ، وعلى الرضا بقضاء الله في كل ما قسم من المنافع والمضار .